للمرحوم الشيخ أمين الخولي (1313 ـ 1385 هـ ـ 1895 ـ 1966م) ـ وهو شيخ الأمناء ـ الذي تتلمذت على يديه أجيال من كبار الأساتذة.. والذي يحظى بالاحترام والتقدير لدى كثير من العلمانيين ـ لأمين الخولي كتيب صغير (عن القرآن الكريم) ـ كتبه في الأصل تعليقًا على مادة "القرآن" في دائرة المعارف الإسلامية ـ التي كتبها المستشرقون ـ ولقد أعدت نشر هذا الكتيب، وقدمت له في سلسلة "في التنوير الإسلامي"..
ولأن بعضًا من أحفاد "مسيلمة الكذاب" ـ بل وبعضًا من الذين يتمسحون في أمين الخولي ـ يهرفون بما لا يعرفون حول القرآن الكريم، فإن من المفيد أن نضع أمام أعينهم ـ إن كانوا يبصرون ـ ما كتبه هذا الشيخ الجليل عن القرآن..
لقد تحدث أمين الخولي عن مقاصد الترتيب للقرآن، وفلسفة هذا الترتيب، فقال: "إنه ترتيب متفرد، ينبغي أن يقدر ما فيه من القصر إلى أن يكون ـ أولاً، وقبل كل شيء، ومع كل شيء ـ كتاب هداية نفسيه خلقية اجتماعية، تتناصب مع عموم الدعوة الإسلامية، وتوجيهها إلى الإنسانية جمعاء، في كل زمان ومكان. وتتناسب مع دوام الدعوة الإسلامية، واستمرارها إلى آخر الدهر، وعلى مدى الزمن، مادامت على هذه الأرض حياة. كما تتناسب كذلك مع ختم هذه الدعوة لرسالات السماء إلى الأرض، واستطاعة الدنيا أن تكتفي بها، وتلتقي عندها.
فالقرآن يمس دائمًا الأصول الكبرى، والأسس العامة، والقواعد الكلية، في إطار من الشعور الديني المؤمن، والفضيلة الخلقية المصلحة لنفوس البشر، المهيئة لهم أن يكونوا ـ في نشاطهم العملي وجهادهم الحيوي ـ أناسًا أخيارًا، أطهارًا، أبرارًا، غير متكالبين، ولا متناحرين، ولا متباغضين..
وإذا ما مس القرآن شيئًا من التفصيلات تطلبها واقع الحياة فلتكن كذلك مثلا عامة، يرجع إليها الناس فيما أمرهم به من التبصر والاعتبار، بمثل قوله: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} (الحشر ـ 2).. وبذلك يمضون ـ على تغير أحوالهم، وتطور شئونهم، واختلاف بيئاتهم، وتنوع مشكلاتهم ـ وهم دائمًا أولئك المراقبون لربهم، المحكمون لضمائرهم، المقدرون لمسئولياتهم.. يدبرون عن أمورهم المتجددة ما تصلح به حياتهم.. في ظل تلك الخشية من قلوب وجلة، ونفوس مطمئنة، لا تنسى نصيبها من الدنيا، وتذكر مع ذلك اليوم الآخر، والحساب المرتقب.
ومن هذا الترتيب، الذي توزعت في جميع أجزائه وآياته مواضع العبرة الهامة، نجد الهداية المرجوة، في كل قطعة منه، وكل بيان، وكل قصة، وكل موعظة.."
كذلك كتب هذا الشيخ الجليل العلامة، عن تدوين القرآن ـ لحظة نزوله ـ وعن جمعه فقال: " لقد كانت للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عناية بنشر الكتابة في مجتمعه.. وكان له كتبة وحي يكتبون بين يديه القرآن، ويكتبون رسائله، ولقد بلغ عددهم إلى بضعة وعشرين شخصًا، ورأى عليه السلام لبعضهم أن يتعلموا من اللغات غير لغتهم العربية.. وكذلك كتب القرآن أولاً بأول، مع حفظ ما ينزل منه كذلك أولاً بأول.
إن القرآن، حينما تم نزوله مفرقًا، كان يحفظه نفر من أصحاب الرسول، منهم من حفظه كله بأجمعه، ومنهم من حفظ ما تيسر منه. وكان قد كتب الكتابة التي مكنت منها الظروف.. وهذا ما يمكن أن نسميه الجمع الأول للقرآن، إذ اجتمع به في صدور حفاظ أقوياء الحافظة.. واجتمع في مكتوبات، وإن لم تأخذ صورة الصحف أو الكتاب كما نفهمها اليوم، لتفرق المواد التي كانت عليها الكتابة. واختلاف أنواعها.."
هكذا تحدث الشيخ أمين الخولي ـ شيخ الأمناء.. وخريج الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي.. وأستاذ الجامعة.. وعضو مجمع اللغة العربية.. وأحد شيوخ التحقيق للتراث.. والمؤلف المتميز.. وأحد عقول العصر وبلغائه.. هكذا تحدث عن المقاصد الإلهية لترتيب آيات القرآن الكريم.. وعن التدوين والحفظ لهذا القرآن، على يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكيف أنجز الرسول وصحابته وعد الله سبحانه: {إن علينا جمعه وقرآنه}.